رأي

محمد حسن مامادو يكتب: أشياء بسيطة.. أبطال آخرون في ملحمة الحياة

بفضل التزامهم ومسؤوليتهم، دخلت البيوت (خيرات الخريف)، وقلّت الأسعار وصارت (الذرة) في متناول أيدي الكثيرين من المواطنين الفقراء، أخروا زحف المجاعة ولو لحين، ومنحونا درسًا قيمًا في الصمود أوان الأزمة.

أولًا:
“السلام هو مكافأة في حد ذاته”. مهاتما غاندي

للعام الثاني على التوالي في خضم الحريق والخراب الذي يضرب أجزاءً واسعة جداً من سوداننا الحبيب، والموت والتهجير والفظائع التي تسكن في جوانب عدة، تبرز لنا قصة ملهمة، قصة تُروى بمداد المعاناة والأمل، قصة صغار المزارعين بدارفور. الأبطال الصامتون الذين يواصلون كفاحهم اليومي، و يمارسون وفائهم الأبدي للأرض، بتحدٍ نادر لكل الصعاب التي تحيط بهم.

لقد شقوا طريقهم في الصيف وقت (نضافة) الأرض، حملوا معهم معداتهم وزادهم الذي يتقدمه (التوكل على المولى عز وجل) وآمالهم الكبيرة، ليعملوا في هجير الصيف لإعداد الأرض استقبالًا للخريف. رحلة محفوفة بالمخاطر في ظل هذه الظروف العصيبة والتي يمكن التنبؤ فيها بكل شيء. سبقت رحلتهم توقف البنوك تمامًا بسبب اندلاع حرب السودان في الخامس من أبريل العام الماضي، وبذلك لن يكون هناك تمويل للمزارعين، ووضع اقتصادي كارثي مع ارتفاع تكاليف الإنتاج بصورة غير مسبوقة إلا أن إيمانهم برسالتهم لم يتزعزع.

يخوض المزارعون الصغار معركة من نوع خاص واستثنائي، معركة من أجل الحياة. وبينما تشتعل نيران الحرب في أرجاء الوطن، واصلوا في كدهم وجهدهم وسال عرقهم من أجل ما آمنوا به. قضوا الشهور الطويلة لا يقلقهم إلا نمو الحشائش وغياب المطر والعقارب والثعابين، فارقوا الرفاهية، وأعفوا أنفسهم من الأصوات التي تتعالى بوجع الحرب وهولها، والأصوات التي تعبت من الحرب، وأصوات أخرى لم تعرهم اهتمامًا بل تطلب مزيدًا من الحرب. حملوا آمالهم العريضة وتجردهم وحكمة أن الحياة لا تتوقف، وأن الأرض لا تعرف الحرب ولا السياسة، تعرف فقط من يفلحها.

قضوا الشهور الطويلة، التي امتدت منذ مارس الماضي وحتى ديسمبر الجاري وهو موعد الحصاد المنتظر، ليفسحوا للرعاة أن يكملوا دورة الوفاء للأرض. جاء الحصاد كما يشتهى أن تحمل معه البشريات، ولكن سيصطدم هؤلاء المزارعون بانخفاض أسعار المحاصيل بشكل حاد، وبالطبع هي خسارة فادحة وخبر أليم ينتظرهم، لكن الأمر عندهم لا يتعلق بالربح والخسارة بل بالمحافظة على هذا الوعد للأرض وللعطاء وللعمل. فبفضل التزامهم ومسؤوليتهم، دخلت البيوت (خيرات الخريف)، وقلّت الأسعار وصارت (الذرة) في متناول أيدي الكثير من المواطنين الفقراء، أخروا زحف المجاعة ولو لحين، ومنحونا درسًا قيمًا في الصمود أوان الأزمة. وسيعودون إلى منازلهم ويحلمون بأن تتحول مآسي الحرب إلى ذكريات بعيدة، ويصبح السودان مرة أخرى سلة غذاء المنطقة.

إنهم يحلمون بيوم يحصد فيه كل مزارع ثمار تعبه بعدل وإنصاف. وتستحق قصة هؤلاء المزارعين الذكر في صفحات التاريخ كلمحمة صمود فريدة وتضحية عظيمة، نعم أنهم قد خسروا ماديًا، ولكنهم يكسبون الاحترام. ترتفع القبعات احترامًا لهؤلاء المزارعين الذين حافظوا على دورة الحياة البيئية في زمن الموت والدمار، ووسط كل هذا الخراب، ظلوا هم البذرة الخضراء التي تأبى إلا أن تنمو وتزدهر متحدية كل هذه الظروف القاسية.

ويظل المزارعون أحد ركائز السودان القادم الذي تتحقق فيه المساواة في توزيع الموارد بين كل أطراف وهوامش السودان، وترتفع فيه الكفاءة الإنتاجية بفضل تقنيات الزراعة الحديثة. لا مكافأة توفيهم عملهم المبارك هذا، سوى الدعاء بأن ترافقهم السلامة والأمان، وكلمات متواضعة من أجلهم جميعًا. والأمنيات والدعاء من أجل غدٍ يسوده السلام والعدل والمساواة، وتعود فيه الابتسامة إلى وجوه أهل بلادنا الحبيبة، وتزدهر فيه الزراعة من جديد كما كانت دائمًا، عمود الحياة في هذه الأرض.

أخيرًا:
“ليت الناس تدرك قيمة السلام، ليت الناس لا تؤذي بعضها بعضا”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى