رأي

محمد الرحال يكتب: نهاية المزاد

يتفاجأ البعض من إصرار الحركات المسلحة على ابتزاز جيش البرهان وانتزاع نصيب من السلطة والثروة التي يحتكرها، وكأن هذا سلوك غريب أو مستجد.. الحقيقة أن ما يحدث الآن ليس سوى امتداد طبيعي لتاريخ طويل من المتاجرة بالدم، بدأ منذ اللحظة التي وُلدت فيها هذه الحركات تحت لافتة “التمرد” وانتهى بها المطاف إلى طاولات “التقاسم” من أبشي 2003، إلى جوبا 2020 .

على مدى ما يقارب العقدين، ظلت المعادلة واحدة: دماء تُسفك، ومدنيون يُهجرون، وكارثة إنسانية تُصنع بعناية، ثم يفتح المزاد.. وكلما ارتفعت الفاتورة البشرية، ارتفع معها ثمن التفاوض.. وكلما علت الجثث، علت معها المناصب، فلم يكن “التفاوض” في يوم من الأيام أداة حل، بل كان مرحلة تالية من مراحل الحرب، تُدار تحت مكيفات الفنادق وبوساطة أممية.. وكل حركة تدخل السوق تحصل على ما يكفيها من المناصب، فتسكت.. وإن تأخرت المكافآت (التي سموها إستحقاقات)، تعود للحرب ..

هكذا أصبحت الحرب سوقاً، والمجزرة استثماراً، والحركة التي تبدأ موحدة تنقسم إلى عشرة، ثم إلى عشرين، لأن السوق لا يرفض زبوناً جديداً.. فيكفي أن ترفع بندقيتك، حتى تُمنح فرصة لرفع يدك في مجلس السيادة.. أو الجلوس على كرسي وزارة ..

لكن هذه اللعبة لم تكن لتستمر بلا شريك أكبر: الدولة نفسها والتي تختطفها مجموعة قليلة.. الدولة التي وُلدت مريضة عام 1956 لتحتكر السلطة والثروة، وتوزعهما بميزان مناطقي وعرقي ومصلحي دقيق.. هي من يدير السوق، وهي من يُقيم المزاد، وهي من تعطي وتمنع، وتحدد من هو “وطني” ومن هو “متمرد”، وفق مزاج اللحظة ..

ولأنها لا تريد حلاً حقيقياً، بل أزمة مستمرة تحت سيطرتها، فقد صمّمت نظاماً يسمح بالحروب، ويُكافئ حملة السلاح، ويُقصي من يحمل الأفكار ..

لكن هذا السيناريو يقترب من نهايته.

ميثاق التأسيس الذي وُقّع مؤخراً ليس مجرد ورقة سياسية، بل هو جرس النهاية لهذا المزاد الطويل.. إنه المسمار الأخير في نعش دولة المقايضة، ونهاية مرحلة طالما بُنيت على جماجم الأبرياء وصفقات الخيانة.. إنه إعلان أن وقت البيع قد إنتهى، وهو أيضاً يضع نهاية لتجار الحروب الذين يبيعون الدماء الدافئة على موائد باردة ..

الميثاق لا يُهدد فقط الحركات المسلحة التي تعوّدت على التفاوض كوسيلة حياة، بل يضرب المنظومة القديمة كلها، ويفسد على “سادة المزاد” حفلاتهم المعتادة.. وسيُخرّب عليهم طقوسهم، ويكسر كؤوس النخب، ويعيد تعريف السياسة في السودان من جديد.

ولأن الميثاق لم يأتِ من الهامش فقط، بل من الميدان، من جيش جديد صعد من بين الركام، فإنه أكثر تهديداً للمؤسسة القديمة، وأكثر صدقاً في تمثيل وجع الناس.

لقد دُق جرس النهاية.. فليستعدوا للرحيل ..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى