رأي

جمعة حراز يكتب: كامل إدريس.. خطاب البداية أم إعلان النهاية؟

في ظهوره الأول على منصة رئاسة الوزراء، وقف الدكتور كامل إدريس، العالم المعروف، والمحكوم عليه بأن يكون رجل اللحظة في زمن الخراب السوداني، ليخاطب شعباً مثخناً بالجراح، ممزق الأوصال، تواقاً لبارقة أمل وسط ركام حرب لا هوادة فيها. غير أن الخطاب الذي كان منتظراً أن يكون نداء سلام وبلسماً لجراح الوطن، جاء بلغة السيوف لا لغة الحوار، وبإيقاع التعبئة لا التعافي، فسقط الرجل – في أول امتحان – سقوطاً مدوياً أمام تطلعات السودانيين للسلام الحقيقي.

استهل رئيس الوزراء الجديد خطابه بما سماه “معركة الكرامة”، متعهداً بهزيمة التمرد والمليشيات، وبسط هيبة الدولة. لكن ما لم يقله إدريس، أن هذه “المعركة” التي يتبناها، ليست سوى استمرار في نهج الحرب الذي أهلك الحرث والنسل، ومزّق أوصال المدن، وقتل آلاف الأبرياء، وشرّد الملايين. فأي كرامة تُبنى على جماجم الأطفال ودماء النساء ودمار الخرطوم ونيالا والفاشر؟

كان مأمولاً أن يكون خطاب رئيس الوزراء نداءً وطنياً جامعاً، لكنه جاء مصبوغاً بلون واحد، ولغةٍ تفتقر للمرونة السياسية والحس الإنساني. رجل السلام الذي عرفه العالم في مضمار الفكر والقانون الدولي، ارتدى في خطابه عباءة المحارب، وخاطب الداخل بمنطق الغلبة لا التفاهم.

أعلن إدريس عن إطلاق “حوار وطني لا يستثني أحداً”، لكنه في ذات اللحظة أقصى مكونات رئيسية من المعادلة الوطنية، حين وصفها بالمليشيات والمتمردين. فكيف يكون الحوار شاملاً إن بدأ بإقصاء نصف الأطراف الفاعلة في الأزمة؟ وما فائدة دعوة لا تتجاوز حدود الموالين والساكتين عن جرائم الحرب؟
حديثه عن “إصلاح الاقتصاد وتحسين معاش الناس” بدا مثالياً في ظاهر الأمر، لكن الحقيقة أن الاقتصاد لا يزدهر على أنقاض المدن ولا بين صفوف النزوح والجوع. كيف تُبنى الزراعة والصناعة والسوق الوطنية، فيما الحقول محترقة، والمدن مقطّعة الأوصال، وسوق العمل مهجورة بفعل الحرب؟ الخطاب بدا أقرب إلى خطة إنعاش حكومي في فراغ سياسي وأمني، منه إلى رؤية واقعية لإنقاذ الاقتصاد.

وعد إدريس بـ”بناء دولة القانون”، لكنه تجاهل أن أولى خطوات القانون تبدأ من وقف العدوان، وإطلاق سراح المعتقلين، وكشف مصير المفقودين، وتشكيل لجان عدلية مستقلة. أما القضاء الذي بشّر به، فلا يمكن أن يُولد تحت حراب البنادق أو أن يعمل في ظل غياب كامل لسلطة الشعب.
وإن كانت فقرة العلاقات الخارجية واعدة في ظاهرها، إلا أن لغة الخطاب كانت أشبه بالتحذير والاتهام، لا برؤية ديبلوماسية ناضجة تنفتح على العالم بمرونة واتزان. فالعزلة التي يواجهها السودان اليوم، لا تُكسر بالشجب والتنديد، بل بالحكمة والانفتاح وحوار المصلحة لا خطاب الانفعال.

لقد كان من المفترض أن يكون خطاب الدكتور كامل إدريس نقطة تحوّل في المشهد السوداني، لكنه بدلاً من أن يكون “بيان سلام” جاء “مانيفستو حرب”؛ خطاباً مشبعاً بلغة الدولة العميقة، موجهاً للداخل لا نحو المصالحة، ومصمماً لإرضاء تحالف السلاح لا ضمير الشعب.
لقد سقط كامل إدريس – بكل وقار تجربته – في أول اختبار، حين اختار طريق الجهاد بدل البناء، والصدام بدل المصالحة، والحسم العسكري بدل التسوية السياسية. إنها بداية خاطئة لمسار يُراد له أن يكون انتقالياً، لكنها – وللأسف – قد تكون مقدمة لانزلاق أعمق في وحل الفوضى، ما لم يستدرك الرجل خطأه ويعيد حساباته.
فهذا الوطن لم يعد يحتمل رجال حرب آخرين… السودان بحاجة لرجال سلام.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى