رأي

الطيب علي حسن يكتب: الجيش وتحويل الحرب في شرق الجزيرة إلى حرب أهلية مفتوحة

إن الناظر إلى حرب 15 أبريل،  بقصد فهم تأثيراتها على النسيج الاجتماعي، لا يمكنه أن يغفل الاستقطاب الحاد بين داعمي أطراف الحرب حول الانتهاكات التي تحدث بحق المدنيين؛ ولا يمكنه أن يغفل أيضا، أسبابها ودوافعها، المباشرة وغير المباشرة. وهنا نشير إلى أن قوات الدعم السريع  قد ارتكب انتهاكات صريحة بحق  المدنيين، وباعترافها هي واعتذارها أيضا قبلنا، وهي انتهاكات مدانة بالنسبة لنا، أدانتها قوات الدعم السريع أم لم تدنها. لكن اعترافنا هذا لن يعمينا، عن أن هنالك دائما حملات ممنهجة من قبل الترسانة الإعلامية للجيش، لاستخدام هذه الانتهاكات عقب تضخيمها، للتحشيد للحرب والاستنفار وبعبارة أدق، في التحشيد الأهلي للحرب. وما نؤكد عليه هنا، أن انتهاكات قوات الدعم السريع، حقيقية كانت أو مفبركة؛  تتحول وعبر مجهود ممنهج إلى موضوع لدعاية تضليلية منظمة من قبل الغرف الإعلامية للجيش. والمتتبع لتاريخ الحروب في السودان، يعرف أن الاستثمار في الانتهاكات، هي استراتيجية حربية ثابتة لجيش دولة (56)، استخدمها سابقا في كل حروبه عقب الاستقلال. ونلاحظ أن الجيش كان دائما ما يسخر لها كل إعلام الدولة، وشبكات تضليل إعلامي ممنهج؛ ليعتم عبرها على حقائق انتهاكاته، ويبث دعاية تصور الطرف الٱخر كغازي أجبني منتهك. وجدير بالذكر هنا، أن الهدف الاستراتيجي لجيش دولة (56) من هذه السياسة، هو دائما “أهلنة الحروب السياسية”، وهو المصطلح الذي سنستخدمه لتوصيف السياسة التي يهدف عبرها الجيش، وعبر استثمار قضية الانتهاكات، إلى تعزيز الانقسامات الموجودة أصلا داخل المجتمع السوداني وتحويل الحروب السياسية في السودان إلى حروب أهلية مفتوحة. ونشير هنا، إلى أن جيش دولة (56) استخدم سياسة “أهلنة الحرب السياسية” سابقا، لتحويل التمرد في الجنوب إلى حرب أهلية، وذلك عبر تعزيزه وتأجيجه تاريخيا للاستقطاب العرقي الحاد داخل مجتمعات الجنوب فيما بينها من جهة، وبين الجنوبيين والشماليين من جهة أخرى؛ أيضا عبر تعزيز وتأجيج الاستقطاب الديني الحاد بين الشمال والجنوب؛ وقد كان الهدف من ذلك، تحويل الصراع من صراع سياسي يوصف غالبا بأنه “تمرد” إلى حرب دينة/عرقية، وبعبارة أدق إلى حرب أهلية مفتوحة بين الشماليين والجنوبيين؛ وهذا ما قد كان تاريخيا. أيضا،  نلاحظ أن سياسة “أهلنة الحروب” قد استخدمت من قبل جيش دولة (56) في حرب دارفور أيضا، فعبر تعزيز الانقسام العرقي بين قبائل دارفور، بواسطة الدعاية العرقية حول الانتهاكات، نجح جيش دولة (56) أيضا، في تحويل الحرب في دارفور من حرب سياسية بين متمردين/دولة، إلى حرب بين عرب/وزرقة، وبالتالي إلى حرب أهلية مفتوحة أيضا.

عقب حرب 15 أبريل، نلاحظ أن سياسية أهلنة الحروب السياسة، استخدمت من قبل الجيش دولة (56)، الذي عرف  حرب 15 أبريل بنفسه في بدايتها على أنها تمرد؛ إلى حرب أهلية مفتوحة بين عرق متخيل قادم من غرب أفريقيا، يسمى ب”عرب الشتات”وبين السودانيين ككل. وهنا نشير إلى أنه وضمن  سياسة أهلنة الحروب هذه، نجحت الترسانة الإعلامية لجيش دولة (56) التي حولت في الحروب السابقة متمردي جنوب السودان إلى أوغنديين ومتمردي دارفور إلى غزاة تشاديين؛ نجحت في تحويل تشاديو الأمس، إلى وطنيوا اليوم، وفي تحويل سودانيو حرب الأمس الوطنيين الذين عسكرتهم في قوات الدعم السريع، إلى عربان شتات. نؤكد استنادا إلى هذه الملاحظات، أن الضحايا المدنيين الذي قصفت مساكنهم، وهجروا وشرودوا، مثلما يحدث الٱن، هم الضحايا التاريخيين لسياسة أهلنة الحروب السياسية في السودان؛ ذلك أن الجيش وعبر تحويله الحروب السياسية إلى حروب أهلية، كان يهدف دائما إلى تبرئة نفسه، عبر تحميل القبائل مسؤولية الانتهاكات ومسؤولية القتال، وذلك بدفعه القبائل للقتال نيابة عنهم. وهنا، نؤكد أن كل حروب السودان السياسية السابقة تحولت إلى حروب أهلية؛ ذلك أن الجيش كان دائما ما يلجأ إلى تسليح القبائل في مليشيات منظمة للقتال بالإنابة عنه. ونشير هنا، إلى أن ذلك قد حدث عندما قام جيش دولة (56) بتسليح قبائل الشلك والنوير لقتال التمرد في حرب الجنوب، كما تم تسليح قبائل المسيرية والحوازمة بكردفان والرزيقات في دارفور عقب فشل التسليح الأول. أيضا، تم  تسليح عرب دارفور وكردفان لمواجهة التمرد في دارفور؛ واستناد إلى كل ذلك، نؤكد هنا، أن سياسة تسليح القبائل، تهدف -تاريخيا- إلى خلخلة أمن المجتمعات التي يستهدفها، وتأجيج الحقد والغبن الاجتماعي لاستثماره من قبل جيش دولة (56) في تجييش المجتمعات وتحشيدها ضد المجتمعات الأخرى التي توصف بالتمرد ويتم نزع مواطنتها.

في هذه الأيام، وعقب انشقاق أبو عاقلة كيكل من قوات الدعم السريع، وانضمامه للجيش، نلاحظ فعالية الترسانة التضليلية لجيش (56) في استغلال قضية الانتهاكات مجددا، بهدف تعزيز وتأجيج الانقسام الاجتماعي وتحويل الحرب الحالية إلى حرب أهلية مفتوحة في شرق الجزيرة، بين قبيلة وقوات عسكرية أنشأتها هي وعجزت عن هزيمتها. ولعل ما يؤكد كلامي هذا، أن ذات شبكات الجيش التي نشطت سابقا في تصوير أبناء قبيلة الشكرية، خاصة بمدينة تمبول وقراها التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع كمتعاونين وخائنين للوطن، تنشط الآن في تأجيج النعرات القبلية بين أبناء قبيلة الشكرية، وذلك بهدف تحويل الحرب في شرق الجزيرة، من حرب بين الجيش وقوات الدعم السريع، إلى حرب بين قبيلة الشكرية وقوات الدعم السريع. إن كون قوات الدعم السريع لديها مشكلة مع قبيلة الشكرية، إدعاء تكذبه حقيقة أن مدينة تمبول حاضرة قبيلة الشكرية، كانت لما يقرب العام، آمنة تحت سيطرة قوات الدعم السريع، ولم تحدث فيها أي مواجهات عسكرية بين قوات الدعم السريع والمواطنين، كما أنها كانت وبشهادة أهلها، أقل مدن الجزيرة من حيث نسب التفلت وتعيش حالة نسبية من الاستقرار. ونتسائل هنا، أليس كيكل الذي تحول إلى بطل قومي بعد انضمامه الجيش، هو ذاته الجنجويدي الذي يستحق القتل والتنكيل؟ وإن كان الأمر أمر انتهاكات ممنهجة من قبل الدعم السريع، ألم يكن كيكل ذاته قائد الدعم السريع في مدني، ويتحمل كل الانتهاكات التي حدثت سابقا؟ نقول هنا، إن الأمر لا يتعلق بانتهاكات بحق مواطنين من قبيلة الشكرية بالطبع، وإنما بتجييش قبيلة الشكرية لحرب ليست حربها، نظرا لعلم جيش دولة (56) للثقل الاجتماعي للقبيلة في شرق الجزيرة وشرق السودان عموما، وإلا لما استهدفهم بالتسليح، وهو ذات الجيش الذي لم يسلحهم سابقا، ولم يسلح قبائل مثل الشايقية والجعلية لتحرير البسابير والجيلي وحجر العسل. والمثير للتأمل، أنه في حين لم تتحول الحرب في الفاشر إلى حرب بين قوات الدعم السريع وقبيلة الزغاوة، مثلما لم تتحول في المالحة إلى حرب ضد قبيلة الميدوب، وكذلك إلى حرب ضد قبيلة حمر في مدينة الخوي، والأمثلة تطول؛ فلماذا تتحول في شرق الجزيرة إلى حرب بين الدعم السريع وقبيلة الشكرية؟. في ذات السياق، شاهدنا جنرالات في الجيش وكل الترسانة الإعلامية للجيش، يبررون لانتهاكات طيرانهم بحق مدنيين في مناطق مثل مليط والضعين وحمرة الشيخ، بحجة أنهم حواضن للدعم السريع، وهذا الشهر وحده أكثر من 1000 قتيل من المدنيين سقطوا بغارات لطيران الجيش، ولكن بالرغم من كل ذلك، لم تتحول الحرب إلى حرب خاصة بقبائل الرزيقات أو الكبابيش أو الزيادية التي تسكن هذه المناطق، ضد الجيش. 

حتى نكون واضحين هنا، فيما يتعلق بما يحدث هذه الأيام بمدينة تمبول، أنا لا أنفي وجود انتهاكات بحق أهلنا في تمبول وقراها، وهي مدانة مسبقا، ولكنني أؤكد أن جيش دولة (56) وأنصاره لم يكونوا يوما حريصين على حياة أبناء قبيلة الشكرية، أو أي مواطن سوداني خارج جغرافيا الشمال؛ وأن ظهور البرهان وزمرته وإعلانه تسليح الجيش لأبناء القبائل تحت مسمى المقاومة الشعبية، لقتال الدعم السريع، هي قرائن تثبت ما نذهب إليه من أن مخطط جيش دولة (56) الأساسي، هو الزج بأبناء قبيلة الشكرية في معركته التي هزم فيها؛ والواضح أن انشقاق كيكل يأتي ضمن هذا المخطط لأهلنة الحرب بواسطة “المقاومة الشعبية”. والناظر للدعاية الحربية  المصاحبة لحرب 15 أبريل، يدرك أن استخدام جيش دولة (56) لهذه الاستراتيجية منذ بداية الحرب، يهدف إلى “تسييل الحرب” وتسييل الانتهاكات بالتبع؛ فقد شاهدنا إعلام الجيش وفي مرات كثيرة سابقة، يصر على أن الذين اشتبكوا مع الدعم السريع، هم المقاومة الشعبية التي تتبع للجيش، وصاحب ذلك الفخر والثناء للمقاومة الشعبية، ولكن ذات المقاومة الشعبية بعد الاشتباكات التالية مع الدعم السريع أصبحوا مواطنين عزل ارتكبت بحقهم انتهاكات؛ وبهذا المعنى فإن المقاومة الشعبية أبلده ام قاش إذا ما قتلوا جنودا من الدعم السريع، وهم مواطنون عزل إذا قتلهم الدعم السريع. وهذا ما اشتكت منه قوات الدعم السريع في بيانها بالأمس حيث قالت: “إنها ستتعامل بحزم مع كل من يحمل السلاح” وذلك عقب إعلان الجيش تسليحه المواطنين.

 إن سياسة أهلنة الحروب لجيش دولة (56)، تقوم بشكل أساسي، على تعامل المواطن السوداني كخيار وفقوس، حيث أنها سياسة تميز بشكل واضح بين المواطنين فيما يتعلق بالانتهاكات. ونشير هنا إلى أن سياسة أهلنة الحروب هذه، هي المسؤولة عن الاستقطاب الاجتماعي الحاد حول الانتهاكات ذاتها وذلك بتسييلها؛ حيث نلاحظ إن إدانة الانتهاكات بالنسبة للجيش ومناصريه ترتبط بشكل واضح بهوية المواطن المرتكبة ضده؛ فإن كانت الانتهاكات بحق ما يسمى بـ”الحواضن الاجتماعية” للدعم السريع، فهي مسبقا ليست بالانتهاكات، هذا إن لم تكن عملا مبررا يطالب البلابسة بالمزيد منه؛ حتى وإن كانت أفظع أشكال الانتهاكات وضد مدنيين. على النقيض من ذلك، أما إن كانت الانتهاكات بحق ما يسمى بـ”الحواضن الاجتماعية” للجيش -ونادرا ما يحدث ذلك- فيتم الاعتراف بها؛ لكن ليس على أنها انتهاكات مباشرة، وإنما كأضرار جانبية وخطأ غير مقصود من قبل الجيش. وتظهر هذه البراغماتية والانتهازية التي يتعامل بها الجيش وأنصاره  مع ضحايا الحرب من المدنيين -كموضوع مزايدة-  بشكل واضح، في التعامل بازدواجية معايير مع الانتهاكات، حيث نشاهدهم، كلما ارتكب الدعم السريع انتهاكا، يستميتون في تصويرنا بأننا ندعمه، بل كما لو أن الجريمة صدرت بأمر مباشر منا. وهو ابتزاز عاطفي يهدفون عبره إلى أن يقولوا لنا: “أنتم مثلنا، تدعمون انتهاكات من تقفون معه”،  ذلك أنهم لا يدينون انتهاكات الجيش، بل ويدعمونها ويطالبون بها أيضا. فالبلابسة ولأنهم منحطون ورذيلون وبلا أخلاق: فإنه لابد أن يكون الجميع رذيلا ومنحطا وبلا أخلاق مثلهم. ونؤكدا أخيرا، أن الجيش وبلابسته لا تهمهم قبيلة الشكرية، أو أي قبيلة أخرى، وأن دماء أبناء قبيلة الشكرية هي موضوع للمزايدة بالنسبة لهم، وللتحشيد العسكري، ويهدفون منه إلى تحويل الحرب إلى حرب أهلية مفتوحة في شرق الجزيرة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى