رأي

محمد الرحال يكتب.. دارفور: الأكذوبة التي صدّقها العالم

منذ البداية، كُتبت رواية واحدة عن دارفور، بلغة واحدة، ومن فم واحد .. رواية صنعت من طرف قاتل شيطانًا أبديًا، ومن طرف آخر ضحية ملائكية بلا خطأ. رواية استثمرتها منظمات “الرحمة الدولية”، وغذّتها وسائل إعلام العالم الأول، لتحوّل المأساة إلى قصة إنسانية رائجة، تدر التمويل، وتبرر التدخل، وتُرضي عقدة “المنقذ الأبيض” ..

صارت دماء الناس مادة سينمائية وأرقامًا صادمة، قُدّمت إلى الضمير الغربي مغلفة بلغة حقوق الإنسان، من دون أن يُسمح للطرف الآخر بسرد قصته أو نيل حق الكلام ..

في هذه الرواية الرسمية، صُوّر العرب كغزاة وافدين جاءوا لإبادة “الأفارقة أصحاب الأرض”، وتحولت الصراعات المحلية إلى حرب إبادة ممنهجة.. وهو خطاب يوافق عقلية “العالم الأول”، التي لا ترى الصراعات إلا بلونين : أبيض وأسود، خير وشر .

لكن الحقيقة على الأرض كانت أكثر تعقيدًا ..

صراعات دارفور لم تبدأ في عام 2003. هي قديمة قدم العلاقة بين المزارع والراعي، وغالبًا ما كانت موسمية تُحل تحت شجر الحراز، بالعرف لا بالقانون، وبالصلح لا بالسلاح .. كانت النزاعات تندلع غالباً في مواسم الخريف، حين يعود الرعاة من الصعيد، فتحدث إحتكاكات بسبب الزرع في مسارات الرعي أو دخول المواشي على المزارع.. وكان المظلوم حينها يُخيّر بين القصاص والعفو، وينتهي الخلاف بلا دماء تسيل إلى الأبد ..

لم تكن الدولة المركزية تحرك ساكنًا، ولم تكن هناك منظمات تتباكى على الحقوق، لأن الدم كان يُكفّر عنه في ساحة القرية، لا على منابر العواصم ..

ثم ظهر قطاع طرق لا يحملون قضية، بل بنادق .. نهبوا الماشية، قطعوا الطرق، وباعوا الغنائم .. ومع الوقت، قرر هؤلاء القفز من الفوضى إلى السياسة .. كتبوا روايتهم الخاصة مشروعًا سياسيًا: جعلوا من الرُّحل “دخلاء” فقط لأنهم لا يسكنون طينًا ثابتًا، ومن المزارعين “أصلاء” لأن بيوتهم لا ترحل.. خلطوا المظلومية بالعنصرية، وقسّموا دارفور إلى سادة وضيوف .

لم يكن هدف هذا المشروع تحقيق العدالة، بل تجنيد أكبر عدد من المقاتلين، وإشعال أكبر قدر من المعاناة، لتتحول الأزمة إلى ورقة ضغط على خرطوم الحُكم.. كانت الغاية خلق كارثة إنسانية تجبر الحكومة على التفاوض، لا من أجل السلام، بل من أجل مقاعد في السُلطة ومناصب في الثروة ..

وهكذا جلس القتلة على موائد التفاوض، ووقعوا اتفاقات: من أبشي في سبتمبر 2003 إلى جوبا في أكتوبر 2020 .. وخرجت الأخيرة بستة عشر بروتوكولًا، أهمها بروتوكول النازحين واللاجئين، الذين – وفق زعمهم – حملوا السلاح لأجلهم ..

لكن الحقيقة: لم يعد أحد إلى قريته، لم يُعد أحد بناء البيوت المحروقة، ولم يلتفت أحد حتى إلى وجوه الضحايا ..

واليوم، بعد عقدين من الكذب، لا يزال اللصوص السابقون يطالبون بالمزيد، وليس في أذهانهم ولا ألسنتهم سوى السُلطة والثروة.. ولا تزال بعض المنظمات تبيع دموع الأفارقة على الشاشات، وتستثمر في تسويق الرواية الزائفة التي تدر الأرباح وتُرضي الضمير الأوروبي ..

أما الرواية الأخرى – تلك التي تتحدث عن التعقيد، عن المجتمعات، عن الأرض والمطر والمواسم والمصالح – فلا تزال مطوية في الظل.. الرواية التي تقول إن دارفور لم تكن مذبحة عرقية، بل ساحة صراع اقتصادي موسمي.. الرواية التي تفضح أن من يحمل السلاح اليوم إلى جانب عدوه السابق لم يكن بريئًا بالأمس.. الرواية التي تكشف أن المأساة الحقيقية بدأت حين قرر قطاع الطرق أن يصبحوا أمراء حرب..

هذه الرواية لا تُدر المال ..

لكنها، مهما غطّاها الصراخ، تظل الحقيقة ..

وربما حان الوقت لإخراجها إلى العلن ..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى