منذ اللحظة الأولى لانفجار الحرب، اختارت قوات الدعم السريع أن تخوضها بعقل الدولة لا بردّة الفعل، وبخطاب سياسي لا بشهوة انتقام، طرحت مبادرات السلام، ورفعت شعار وقف إطلاق النار، وناشدت المنظمات الدولية لتفادي الكارثة الإنسانية.. ظنّت أن الخصم سيقابل النوايا الحسنة بحدٍّ أدنى من المسؤولية الوطنية، لكنه كان يرى في الخراب طريقًا مختصرًا إلى السُّلطة..
الطرف الآخر، المتشبث بالمركز، لم يتردد في حرق المدن، البوادي، المراعي، ومصادر المياه، باستخدام الطيران ضد المدنيين، بل تزايدت الشهادات عن استخدامه أسلحة محظورة في مناطق مأهولة، بينما يختبئ خلف شعارات وطنية جوفاء، تمتهن الكذب وتغذِّي آلة العنف الإثني/ الجغرافي..
الدعم السريع، وعلى الرغم من التفوق في ميادين القتال واستقبال عشرات الآلاف من المتطوعين، ارتكب خطأً استراتيجيًا واحدًا: الثقة الزائدة.. في كل من رفع صوته تأييدًا.. فدخلت استخبارات العدو من الأبواب المفتوحة، وتغلغلت في بعض مفاصل العمل العسكري، وسُلمت مسؤوليات لعناصر خانت لاحقًا الثقة.. ولم يتراجع الدعم السريع مؤخرًا لأنه هُزم عسكريًا، بل لأنه خُدع إنسانيًا..
الخداع الإنساني الذي تسبب في تراجع الدعم السريع يتضح لمن يشاهد تسجيلات الأسرى من الطرف المعادي وهم يُستقبلون بالابتسامات والأسئلة الودية: “لقيتو المعاملة كيف؟؟”، أو يزور مقار حجزهم في مناطق سيطرته سيجد أمامهم خدمات لم تتوفر حتى للعنصر المقاتل في الميدان.. في الوقت الذي توثق فيه الوقائع استخدام الطرف الآخر للسلاح الكيميائي ضد المدنيين، وارتكابه جرائم بشعة بحق الأسرى من قطع للرؤوس، وبقر للبطون، وحرق للأجساد بالنار.. هذه المفارقة لا تكرّس فقط صورة مشوَّشة عن الحزم، بل تُصيب الروح المعنوية للمقاتلين في مقتل.. فالضحك مع عدوٍ لا يعرف غير الذبح، لا يجلب النصر، بل يثبّط الهِمم ويبعث رسائل خاطئة في زمن لا يحتمل الخطأ..
هذه الحرب لا تُدار بمثالية.. والخصم لا يُهزم بالبيانات ولا بحساب الخسائر المدنية فقط.. خصم يرى في السُّلطة حقًّا إلهيًّا، ويبرر لأجلها الفوضى، لا يمكن مواجهته بنصف حسم، فكل تأخير في إنهاء هذا المشروع المتطرّف هو تأخير في تحرير البلاد من قبضة حكم مركزي عجز عن بناء الدولة، وأصرّ على احتكارها بالقوة..
الدعم السريع اليوم مطالب بتحديث عقيدته الأمنية، بفرز الصفوف، وبناء مؤسسات صارمة تعي أن من يخوض حربًا ضد مشروع شمولي متجذّر لا يمكنه أن يطيل التمسك بالمثاليات على حساب النصر..
فالحرب.. وإن كانت قاسية، إلا أن أشدّ قسوتها أن تنتصر فيها المبادئ ولكن تُهزم القضية..





