بيضة: الجماهير
تمتاز محلية “بيضة” بولاية غرب دارفور بأراضي زراعية خصبة ومراعي واسعة يتوفر فيها الماء والكلأ، مع تنوع مجتمعي متماسك جعلها قبلة لكثير من المواطنين الذين فروا من جحيم الحرب داخل الولاية وخارجها.
وترفد منطقة “أرارا” التابعة لمحلية “بيضة”، العديد من المناطق في إقليم دارفور بفواكه “المانجو والموز والموالح”، ويتردد أنها تقع في المنطقة التي يمر بها مناخ جبل مرة.
وخلال الفترة التي شهدت اندلاع الحرب في الخرطوم بين الجيش والدعم السريع، ومن ثم تحولها إلى عاصمة ولاية غرب دارفور، ظلت منطقة “أرارا” آمنة ومستقرة بفضل تكاتف الإدارات الأهلية والأجهزة الأمنية، وتوجت هذه الجهود بلجان مجتمعية ساهمت كثيرًا في بقاء جميع المكونات السكانية داخل المدينة التي لم تسجل أي حالة نزوح أو لجوء، بل ظلت ملاذًا آمنا للفارين من الحرب.
حادثة قتل
في خضم هذه الظروف، شهدت منطقة “أرارا”، الأسبوع الماضي، حادثة قتل أحد المواطنين داخل منزله من قبل مسلحين تمكنوا من الفرار. أثار الحادث حفيظة البعض، وسعوا إلى ربطه بمشاكل قبلية سابقة، كانت محلية “بيضة” بأكملها بمعزل عنها.
حادث قتل منعزل يمكن أن يحسم في إطاره الجنائي، لكن تعقيدات الوضع الاجتماعي والسيولة الأمنية مكنت من يسعون إلى زعزعة الأمن والاستقرار من إطلاق الشائعات المغرضة التي تهدف إلى إجبار المواطنين على اللجوء إلى دولة تشاد.
لم تتهاون سلطات غرب دارفور بالحادثة، حيث سارع رئيس الإدارة المدنية برفقة مدير شرطة الولاية ورئيس مجلس التأسيس المدني والمكتب التنفيذي للإدارة الأهلية، إلى زيارة منطقة “أرارا”، أمس الأحد، للوقوف ميدانيًا على الأوضاع ومعرفة تفاصيل الحادث.
شكل أبناء منطقة “أرارا” لوحة اجتماعية في استقبال الوفد، يتقدمهم الأمير “أبو القاسم كبرو” من القبائل العربية والفُرشة “نصر الدين موسى كرامة” من قبيلة المساليت، ومشاركة واسعة من الإدارات الأهلية واللجان المجتمعية والشباب والمرأة.

إدارة ذاتية
وقال الفرشة “موسى كرامة”، خلال استقبال الوفد القادم من الجنينة، إن منطقة “أرارا” مهملة، ورغم أنها تقع في مناطق سيطرة قوات الدعم السريع إلا أنها تخلو من أي ارتكاز عسكري، ما مكن المتفلتين من التلاعب بأمن المواطنين.
وأشار إلى أنهم شكلوا لجنة من (14) قبيلة لإدارة شؤون المنطقة وتعاهدوا على عدة قرارات تهدف للمحافظة على الاستقرار.
من جانبه، قال الأمير “أبو القاسم كبرو” إن اللجنة المجتمعية تعمل منذ يوم 15 أبريل 2023م الذي اندلعت فيه الحرب، وأن أعضاءها يعملون طوعًا واختيارًا وبمجهودهم الذاتي للحفاظ على الأمن في المنطقة.
وأشار إلى أن سبب تراجع الوضع الأمني في الفترة الأخيرة، يعود إلى أن ممثلي القبائل الـ(14) أصبحوا غير متفقين فيما بينهم، موضحًا “لم نكن على قلب رجل واحد”. وتابع قائلًا “كنا قد تعاهدنا على أن يقوم كل رجل إدارة أهلية بضبط أبناء قبيلته والتبليغ الفوري عن أي مجرم أو متفلت”.
كرشوم يوجه بحسم المتفلتين
من جانبه، قال رئيس الإدارة المدنية بولاية غرب دارفور، تجاني الطاهر كرشوم، إن الأجهزة المختصة ظلت تراقب عن كثب تحرك بعض الجهات التي تسعى لزعزعة أمن الولاية. وأشاد بالجهود التي بذلتها الإدارات الأهلية والأجهزة الأمنية في محلية “بيضة”، والتي انعكست إيجابًا على الأمن والاستقرار.
وأشار إلى أن الأجهزة التنفيذية والأمنية ستولي أمر منطقة “أرارا” أولوية قصوى، معلنًا أن قوة من الدعم السريع بقيادة ضابط، ستظل مرتكزة بصورة دائمة في “أرارا”، ووجهها بحسم أي شخص يهدد حياة المواطنين وممتلكاتهم.
ودعا كرشوم الإدارات الأهلية إلى القيام بدورهم كاملًا في حفظ الأمن، مشيرًا إلى أن كل قيادي أهلي لا يستطيع ضبط أبناء قبيلته سيتم تغييره.
وأفاد بأن بعض الجهات لا تريد لولاية غرب دارفور الأمن والاستقرار؛ لذلك يطلقون الشائعات المغرضة ويحرضون المواطنين على المغادرة إلى مخيمات اللجوء.
تشكيل لجنة تحقيق والتعاهد على حفظ الأمن
في إطار ضبط الأوضاع الأمنية ومحاربة المتفلتين، شكلت الإدارة المدنية بغرب دارفور لجنة تحقيق لكشف ملابسات حادثة القتل، سترفع تقريرها في مدة أقصاها الخميس القادم.
إلى جانب ذلك، تعاهدت قيادات أهلية ومجتمعية، على محاربة الظواهر السالبة والتفلتات الأمنية في محلية “بيضة”.
ونصت “وثيقة” وقع عليها قيادات الإدارة الأهلية من أمراء وفرش وعمد وشيوخ واللجان المجتمعية، على محاربة الظواهر السالبة والتفلتات الأمنية بمدينة بيضة جنوب الجنينة عاصمة ولاية غرب دارفور.
وتضمنت “وثيقة” السلم الاجتماعي وضبط الأمن؛ ضرورة العمل على إنجاح الموسم الزراعي، ورتق النسيج الاجتماعي في المنطقة.
وأكدت على ضرورة التبرؤ من “السارق”، وأن السرقة جريمة فردية يحاسب عليها الشخص وليست القبيلة التي ينتمي إليها، وأشارت إلى عدم الانحياز في الفصل بين القضايا التي تخص المواطنين.
واقع جديد وسن قوانين رادعة
من جانبه، أعلن مدير شرطة ولاية غرب دارفور مقرر لجنة الأمن، المقدم علي محمد زكريا، أن الأجهزة الأمنية قادرة على حسم أي شخص يهدد حياة المواطنين.
ودعا المواطنين إلى التكاتف والتعاضد والتعاون مع الأجهزة الأمنية، وطالب محكمة الطوارئ بتطبيق عقوبات ضد كل من يتلاعب بأمن المواطن.
في الأثناء، طالب رئيس المكتب التنفيذي للإدارة الأهلية بغرب دارفور، الأمير حامد الضواي، الإدارات الأهلية بالقيام بأدوارها في حفظ الأمن والسلام المجتمعي.
وأشار إلى أن الحرب الحالية، أفرزت واقعًا صعبًا يتطلب تضافر الجهود والتسامي عن الصغائر من أجل التعايش السلمي.
وفي صعيد متصل، قال رئيس مجلس التأسيس المدني، عبد الباقي علي حسين، إن المجلس يعمل على حماية المواطنين وممتلكاتهم، وذلك بسن القوانين والتشريعات الكفيلة بتطبيق العدالة. وأعلن “نعمل على سن قوانين رادعة ونراقب تطبيقها”.
وأشار إلى أن قوات الدعم السريع تقاتل من أجل قضية عادلة في السودان، مضيفًا “على منسوبي الدعم السريع محاربة المتفلتين والشرذمة التي تسعى لزعزعة أمن المواطنين”.





