رأي

 عمار سعيد يكتب: “محاصصة الدماء”… حين يتحول الشمال إلى ميليشيا!

في لحظة انحدار وطني غير مسبوقة، خرج رئيس تحالف الشمال محمد سيد أحمد الجاكومي معلنًا أن التحالف بصدد تدريب خمسين ألف مقاتل من ولايات شمال السودان، فيما لا يمكن تفسيره إلا كخطوة يائسة نحو إثبات الولاء للمشروع الانقلابي، والبحث عن حصة في “محاصصة الدماء” التي تفرّقها السلطة الانقلابية بين أمراء الحرب وزعماء الميليشيات.

لكن المفارقة الأكبر – التي تكشف زيف هذا الادعاء – أن مناطق شمال السودان، منذ الاستقلال وحتى اليوم، لم تقدّم حتى نصف هذا العدد للمؤسسة العسكرية السودانية، بالرغم من أنها ظلت تسيطر على مفاصل هذه المؤسسة لعقود، وتحولت تدريجياً إلى ضيعة خاصة لنخبها.

الجاكومي، كغيره من الانتهازيين الجدد، لا يسعى لبناء وطن ولا حماية مجتمع، بل يركض خلف موقع شخصي ضمن مائدة الدم التي تفرشها السلطة الانقلابية لمن يمدّها بالمقاتلين ويغذي حروبها بالوكالة. يتحدث عن “تدريب مقاتلين” وكأن الوطن ساحة تجارب، وكأن الحرب سلعة يمكن تسويقها لصالح النفوذ والمكاسب.

والأخطر من ذلك، أن ذات الجهات التي ظلت تشكك في انتماء أبناء الهامش، وتصفهم بالعربان والدخلاء وتمنعهم من حقوقهم الوطنية والدستورية، هي نفسها التي تبحث اليوم إمكانية تجنيس مقاتلين من قومية التقراي في إثيوبيا، فقط لتوفير جنود مرتزقة يقاتلون بالنيابة عن الجيش المنهار وقادته المترنحين.

أليس هذا هو قمة التناقض؟! حين يُجرَّد السوداني من الهامش من جنسيته ويُحرم من وطنه، بينما يُمنح الأجنبي شرف الانتماء فقط لأنه سيحمل السلاح ويقاتل تحت راية الانقلابيين!

إن ما يجري اليوم ليس إلا عملية إعادة إنتاج لخطايا الماضي، حيث تُستخدم الدولة ومؤسساتها كأدوات في خدمة أقلية مهووسة بالسلطة، تفتقر لأي مشروع وطني، وتغرق البلاد في دوامة حرب عبثية.

إن السودان لا يحتاج إلى ميليشيات جديدة ولا إلى مقاتلين مرتزقة، بل إلى مشروع جامع يعيد بناء الدولة على أسس العدالة والمواطنة، ويعيد الحقوق لأصحابها، ويوقف المتاجرة بدماء الأبرياء.

الحديث عن “خمسين ألف مقاتل من الشمال” ليس إلا عرضًا جديدًا في سوق الحرب، تُزايد به النخب القديمة لتحجز مقعدًا في قطار الخراب… لكن الشعوب لا تخون الذاكرة، وستعرف ذات يوم من الذي باعها ومن الذي دافع عنها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى