شهدت الساحة العسكرية في السودان خلال الأيام الماضية تطورات دراماتيكية تحمل دلالات عميقة على صعيد ميزان القوى في الحرب الدائرة منذ أبريل 2023. ففي معارك أم صميمة وأم سيّالة، الواقعتين في قلب شمال كردفان، سُحقت تشكيلات توصف بأنها من “قوات النخبة” التابعة لمليشيات البرهان، في عملية عسكرية نوعية نفذتها قوات الدعم السريع باحترافية عالية واستخدام مكثف للتقنيات الحديثة في المسح الجوي والطائرات المسيّرة.
ضربة قاصمة لقلب المشروع العسكري الإسلاموي
ما يثير الانتباه أن المليشيات التي تم سحقها في هذه المعارك ليست وحدات عادية، بل هي القوة التي ظلت “مدخرة” لما يسمى بـ”المرحلة الحاسمة” في مشروع إعادة بعث النظام البائد، عبر واجهة السلطة العسكرية الانتقالية بقيادة عبد الفتاح البرهان. هذه القوات تنتمي في تكوينها العقائدي والقيادي لما يُعرف داخل دوائر الإسلاميين بـ”الحرس القديم”، وقد تم إعادة تنظيمها وتدريبها وتمويلها منذ ما قبل الانقلاب العسكري في 25 أكتوبر 2021، بغطاء مباشر من جهاز الأمن والتمكين التابع للنظام البائد.
لماذا شمال كردفان؟
اختيار منطقة أم صميمة وأم سيالة كمسرح للمعركة لم يكن اعتباطيًا. فشمال كردفان تمثل من الناحية الجيوعسكرية منطقة اتصال حيوية بين الوسط والغرب، كما تحتضن طرق إمداد وشرايين دعم رئيسية لطموحات قوى الردة في شن هجمات مضادة على تمركزات الدعم السريع في دارفور وكردفان. وتُعد المنطقة أيضًا مخزنًا بشريًا لقوى الاحتياط الشعبي وبعض المليشيات القبلية التي غذّتها الحركة الإسلامية لعقود.
لكن المعركة لم تجرِ كما خُطط لها. فقد وقعت مليشيات البرهان في كمين محكم نُفذ بدقة عالية، أُحكم من خلال تنسيق بين الطيران المسيّر ووحدات التدخل البري، ونجحت قوات الدعم السريع في تدمير رتل ضخم من الآليات والمدرعات، إلى جانب القضاء على مئات العناصر، بعضهم برتب قيادية، في مشهد مثّل صدمة عنيفة للدوائر القيادية في الخرطوم وبورتسودان.
انهيار القوة الصلبة: مؤشرات ودلالات
يُعتبر هذا السقوط السريع والمذل لقوات النخبة التابعة للبرهان بداية تحوّل استراتيجي في مسار الحرب، إذ:
1. أثبت هشاشة ما يسمى بالقوة الاحتياطية التي كان يعوّل عليها في قلب الموازين.
2. كشف تفوق الدعم السريع في المعركة الإلكترونية والاستخباراتية، وقدرته على التخطيط والتنفيذ باحترافية عسكرية لا تُضاهى.
3. أضعف الروح المعنوية لبقية وحدات البرهان والمليشيات الإسلامية في مناطق أخرى، والتي كانت تنتظر ما تفرزه هذه “المعركة الفاصلة” لتحديد موقفها.
هل اقتربت نهاية المشروع الإسلاموي؟
بمعايير القوة الصلبة، فإن الإسلاميين في السودان لم يعودوا يملكون “بيضة القبان” التي طالما احتفظوا بها في الظل؛ قوات مسلحة عقائدية، مدربة، وموالية حتى النخاع. خسارتهم في شمال كردفان لا تعني فقط انهيار لواء عسكري، بل تعني تفكك رهان استراتيجي استثمر فيه لعقود.
ورغم محاولات التضليل الإعلامي من معسكر بورتسودان والموالين الإقليميين والدوليين لفلول النظام البائد، فإن الصور والفيديوهات القادمة من أرض المعركة تتحدث عن نفسها: جثث متناثرة، مدرعات محروقة، وأسرى بالعشرات، في واحدة من أعنف الضربات التي تلقاها مشروع الإسلاميين منذ سقوط البشير.
ختامًا: ما بعد “أم صميمة”
إذا كان التاريخ العسكري يعلّمنا شيئًا، فهو أن الحروب لا تُحسم بالعتاد وحده، بل بالإرادة والوعي الشعبي ووضوح المشروع السياسي. وفي حين تبدو قوات الدعم السريع اليوم في موقع المبادرة، فإن على القوى المدنية والثورية أن تعي أن الفرصة قد تكون سانحة أكثر من أي وقت مضى لتأسيس سودان جديد بلا إسلاميين مسلحين، وبلا مليشيات عقائدية، ودولة مدنية محصنة من الارتداد إلى الماضي.
إنها لحظة فاصلة، وأم صميمة ليست فقط معركة على الأرض، بل علامة على نهاية وهم طويل اسمه: “القوة المدخرة” للحركة الإسلامية في السودان.





