رأي

جنوب السودان تتطلب سلاما قبل المساعدات

أتيم سايمون

لقد تطاولت الأزمة على جنوب السودان وشعبه بدرجة لم يكن يتصورها أى شخص ، مقارنة بحجم الفرص و التعاطف الدولى و الإقليمي الكبير الذى حظيت به اخر البلدان التى نالت استقلالها فى القارة ، بجانب الموارد والخيرات الكبيرة التى يحظى بها ، لكن قادته كانوا قد اتفقوا منذ البداية على تقاسم تلك الموارد والثروات، وتحويل اموال المانحين والمساعدات لمنفعتهم الشخصية، ربما نظير سنوات الكفاح الطويلة وافناء زهرة شبابهم فى الحرب، لكنهم حينما انقسموا على انفسهم فى ديسمبر من العام 2013 ، قضوا على كل شئ، واولها قيمة الاستقلال كانجاز يعود للشعب نفسه الذى بنى أماله على حريته ليرتاح من عناء السنوات ورهق القتال و التشرد والنزوح، وليرد اعتباره لهذا الصمود و النضال المجيد، لكن كل ذلك ذهب هباء، وكانت النتيجة المزيد من التقتيل و التشريد و العودة إلى المنافى، و إلى معسكرات الأمم المتحدة التى لم يدخلها الجنوبيين حتى على ايام الحرب الاهلية السودانية الطويلة التى امتدت لفترة تقارب العقدين من الزمان، تشرد مايزيد عن الثلاثة مليون مواطن ، بينما بات اكثر من ربع السكان مهددين بخطر المسغبة و الجوع ، فى حرب لا ثور لهم فيها ولا عجل .

إن اعلان الحكومة ، او قل اعترافها بوجود حالة مجاعة فى بعض اجزاء البلاد، وتحديدا ولاية الوحدة وبعض تخوم اقليم بحر الغزال، يمكن ان نصفه بالقرار الشجاع الناتج عن ضغط المنظمات الدولية العاملة فى مجال تقديم المساعدات على الارض وفى مناطق النزاع، كان يتطلب اعلانا مماثلا من المعارضة المسلحة نسبة لان المواطنين الموجودين فى مناطق سيطرتها ايضا يعانون الأمرين، الحرب و الجوع، لكن ولان الامر بات خارج حدود السيطرة سلمت الحكومة بالامر املا فى تدفق المزيد من المساعدات للمحتاجين الذين يقدر عددهم بحوالى اربع ملايين من البشر، كما القت باللائمة والمسئولية على المتمردين بحسب تصريحات منسوبة لاتينج ويك السكرتير الصحفى لرئيس جنوب السودان، وهى مسالة لا تستقيم اخلاقيا لان الحكومة نفسها تقع عليها مسئولية مخطابة جذور الازمة الدائرة حاليا، و البحث عن الحلول المرضية للمتاهة السياسية بجانب وضع برنامج متكامل لمعالجة هذه الازمة والمبادرة قبل غيرها من المنظمات الدولية التى كانت قد حذرت اطراف النزاع من تداعيات الحرب على الوضع الانسانى فى البلاد، قبل ان تعلن الجوع فى مناطق انتاج النفط و تنتظر ان تنزل عليها الحلول كالمن والسلوى من السماء.

الأزمة الأخرى أَيْضًا، تتمثل فى ضعف الإستجابة من قبل تنظيمات المجتمع المدنى الفاعلة فى جنوب السودان لكارثة المجاعة التى اعلنتها الحكومة ومعها منظمات الغوث الدولية، وحدها الكنائس هى التى ظلت تطالب الحكومة بمخاطبة قضية الأمن الغذائي بعد أن فتحت ابوابها للمواطنين الذين استلاذوا بها فى العديد من من مدن البلاد برغم شح إمكانياتها لكنها لعبت دورا كبيراً فى مناصرة قضية المواطنين، فتلك المنظمات الوطنية العديدة يمكن أن تخلق حالة من التضامن بين الجنوبيين أنفسهم، وتعيد اليهم الثقة بعد أن افرزت الحرب الأخيرة حالة من الإصطفاف المناطقى الخطير، و الصمت على المعاناة دون التفكير فى إحداث فعل حقيقي يتجاوز واقع الاحتقان و يساهم فى تهئية الأرضية للحوار المجتمعى العميق .

فى ختام هذا المقال اتمنى أن ينبه اعلان المجاعة فى البلاد، والناجم عن الحرب وحالة عدم الاستقرار، اطراف النزاع وقادة جنوب السودان ومثقفيه إلى المرحلة العسيرة التى وصلت اليها الأوضاع وما يمكن أن ينجم عن تجاهلها على المدى الطويل فى ظل ازدياد اعداد الفارين الى دول الجوار من الولايات المختلفة، والذين نخشى أن يكونوا قد فقدوا الأمل فى مستقبل البلاد نفسها فى ظل عدم اكتراث القادة بمعاناتهم و استمرار عمليات النهب و الفساد حتى فى ظل الحرب التى يبدو انها قد خلقت وضعا طبقيا جديدا واوجدت حقائق مغايره على ارض الواقع ، لان اى كلام عن وقف الجوع دون تحقيق السلام والاستقرار سيكون بمثابة التفكير خارج الصندوق ، فالمسالة تتطلب قدراً كبيراً من المسئولية الوطنية و تقديم مصالح الشعب على مصالح الأفراد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى