رأي مستلهم من طرح الكاتبة الصحفية الجسورة رشا عوض.
في لحظة عبثية من لحظات التاريخ السوداني الراهن، حيث اختلطت المقاييس، وانقلبت الموازين، باتت الشتيمة وسيلة صعود، والابتذال بوابة تمجيد، والتفلت اللفظي استحقاقًا للبطولة. في هذا المشهد، تخرج الكاتبة الصحفية اللامعة رشا عوض بسؤال بديهي في زمن غير بديهي:
إذا كان “حماد الدندر” يستحق الاستقبال الرسمي لأنه قال عبارة بذيئة ضد الدعم السريع بعد انسحابهم، فلماذا لا تُمنح “ماما أميرة” – أو أي امرأة تستخدم ذات اللغة – فرصة التكريم والاحتفاء؟!
رشا عوض، التي عُرفت بقلمها النزيه وشجاعتها النادرة في قول الحق، لا تسخر فقط من الواقع، بل تعرّيه حتى العظم. مقالها – أو بالأحرى صرختها الساخرة – يحمل من الدلالات أكثر مما يبدو على السطح. إنّه نقد مرير لثقافة سلطوية تُكرّم القبح إن نُطق من أفواه “الذكور أصحاب الامتياز”، بينما تُقمع حتى إنسانية النساء أو يُختزلن في “الأدب” و”التحفّظ”، مهما كانت قضيتهن عادلة.
من هو حماد الدندر؟
لا يعرفه السودانيون إلا من خلال مقطع صوتي يصرخ فيه بلغة منحطة، غير أنه فجأة تحوّل إلى بطل تُخصّص له محطات في زيارة قائد الدولة، في مشهد يبعث على الحيرة:
هل نحن أمام تكريم للشتيمة؟
هل الشجاعة في قاموس السلطة تُختزل في القدرة على السبّ حين ينسحب الخصم؟
وهل أصبح الانفلات معيارًا للبطولة؟
رشا عوض في مقترحها الساخر تُقلب المشهد على رؤوس أصحابه، وتدقّ على وتر العدالة الجندرية من زاوية غير معتادة:
إذا كانت الدولة تُكافئ رجلًا على بذاءته، فلتكافئ النساء على بذاءتهن أيضًا، على سبيل العدالة والمساواة، أو كما تقول رشا: gender sensitivity وكدا.
إننا لا نعيش فقط عصر انهيار المؤسسات، بل أيضًا عصر التردي القيمي، حيث تُمجَّد الشتيمة وتُهمَّش الحكمة، ويُكرَّم أصحاب اللسان السليط ويُقصى أصحاب الرؤى والنضال السلمي.
والأدهى أن هذه السلوكيات لم تعد تثير الاستغراب. فالبلاد بأسرها ترزح تحت وطأة انحدار شامل:
سياسيًا: حين تغيب الرؤية وتُدار البلاد بردود الأفعال والموازنات الصغيرة
إعلاميًا: حين تُسلّط الأضواء على التفاهة وتُغيب القضايا
مجتمعيًا: حين تتحول القيم إلى بضاعة بائرة لا تجد من يدافع عنها
إن ما كتبته رشا عوض لم يكن مجرد مزحة لاذعة أو منشور ساخر، بل دعوة عميقة للتأمل في المصير، في شكل الدولة، في نوع “القدوة” التي تُقدّمها السلطة للمجتمع، في الرسائل التي تُمرَّر إلى الشباب عن طريق من يُستقبل ويُكرَّم.
وعلينا أن نتساءل جميعًا، دون خجل:
هل أصبح السبّ وسيلة للصعود؟
وهل يمكننا أن نطالب الفتيات بضبط ألسنتهن، ونحن نكافئ الرجال على التفلت؟
ألسنا بذلك نزرع النفاق ونجني الانهيار؟
تحية للكاتبة رشا عوض، التي تكتب لا لتواسي ضمائرنا، بل لتصدمها… لعلها تستفيق.
53 2 دقيقةقراءة





