تقارير وتحقيقات

انتشار حالات الإجهاض والتشوهات الخلقية في القرى المجاورة لمناطق إنتاج البترول بشرق دارفور (1)

تقرير: تريكو البشر

الطبيعي أن يفرح أي أب عند سماعه جملة “مبروك زوجتك حامل في الشهر الثاني” على لسان طبيب أو قابلة، لكن تختلط المشاعر بين فرح الإنجاب والخوف من أن يولد الطفل معاقًا أو مشوهًا خلقيًا في مجتمع من عاداته أن يرى الإعاقة عيب وأن صاحبها “ناقص”. لذلك تحبس الأسرة أنفاسها طوال شهور الحمل، وعند الولادة يتبادل أفرادها التهاني والتبريكات قائلين: “الحمدلله المولود سليم”. هكذا حال أهالي القرى المجاورة لإنتاج النفط بولاية شرق دارفور وهي “الطرفاية، زرقة أم حديد، شق عمر، أم صليل” بوحدة جاد السيد الإدارية التابعة لمحلية أبو كارنكا، حيث انتشرت أمراض جلدية، ووقعت (20) حالة إجهاض، وولادة ثمانية أطفال بتشوهات خلقية، ونفوق أعداد من المواشي، حينما تعرضت البيئة لتلوث كبير بسبب تسرب البترول من الأنابيب والآبار، بفعل أيادي تخريب غامضة، منذ خمسة أشهر ماضية.

حالات إجهاض وتشوهات خلقية وفتور عام في الجسد

قال الفاتح إسماعيل حسين، وهو من أعيان منطقة جاد السيد، لـ«صحيفة الجماهير»، إن حالات الإجهاض وسط النساء الحوامل، بلغت (20)، وهنالك تشوهات خلقية أصابت ثمانية أطفال، وأشار إلى انتشار فتور عام في الجسد وتمزق في العضلات وصداع وسط سكان القرى المجاورة لمناطق إنتاج البترول، ونفى وجود هذه الأعراض قبل تلوث البيئة المرتبط بتسرب خام البترول من الأنابيب.

تسرب خام البترول من الأنابيب يتسبب في تلوث بيئي بشرق دارفور

ويقول “حمد محمد نورين” وهو خفير حراسة في إحدى آبار البترول: “أصيب أطفالي وأحفادي بأمراض جلدية، بحثنا عن علاج في مستشفى الضعين ولم نجد، لنضطر للجوء إلى الطب الشعبي للمعالجة”.

وأكد المواطن “حامد عبد الحميد حماد” إصابة ابنته التي تبلغ من العمر أربعة أشهر بحساسية جلدية.

آثار سلبية للإشعاعات البترولية

من ناحية طبية، يوضح المدير الطبي لمستشفى أبو كارنكا، “فخري إسحق”، في حديثه لـ«صحيفة الجماهير»، أن الإشعاعات البترولية لديها آثار سلبية على الإنسان والحيوان، كما تُؤثر على البيئة بشكل أكثر خصوصية.

وبحسب رأيه، هناك تزايد في حالات الإجهاض وسط النساء الحوامل في القرى المحيطة بمناطق إنتاج البترول، وأضاف “جزء من هذه الإجهاضات معلوم السبب، والبعض غير معلوم ولا نستطيع الجزم بأن السبب يعود إلى تلوث البيئة لعدم وجود دراسة في هذا الخصوص، ولكن نعزي ذلك ظنًا إلى تلوث البيئة بسبب البترول”.

وكشف المدير الطبي لمستشفى أبو كارنكا عن وجود أمراض أخرى مثل الحساسية لدى الأطفال، وهذه الحساسية لا تستجيب لكثير من الأدوية، كما تنتشر أمراض مثل “العشى الليلي”، والتشوه الخلقي. ولم يستبعد أن يكون انتشار هذه الأمراض بسبب البترول المسرب.

مناطق إنتاج النفط بشرق دارفور

وطالب الطبيب “إسحق” بعمل دراسة مستفيضة عن الموضوع لمعرفة الآثار الناجمة عن التلوث البيئي بسبب تسرب خام البترول، وناشد منظمات المجتمع المدني بالتدخل حتى لا تقع كارثة في المنطقة.

تنبؤات الأهالي.. تَصدُق

بدأ تنقيب البترول في ولاية شرق دارفور في العام 2015م، ويقول عضو لجنة حقل سفيان، الفاتح إسماعيل حسن، لـ«صحيفة الجماهير» إن عدد الآبار في حقول ولاية شرق دارفور (36) بئرًا تقع في قرى “الطرفاية، زرقة أم حديد، أم صليل، شارف، وسفيان”. وأفاد بأن التي دخلت الخدمة منها (23) بئرًا، بإنتاج يبلغ (10) ألف برميل في اليوم الواحد، واستمرت بنفس الإنتاج حتى شهر أغسطس 2024م، حيث توقف الإنتاج بفعل التخريب الذي طال كل المحطات ونتج عنه تلوث بيئي خطير في المنطقة.

وكشف “حسن”، أن التنقيب في المنطقة جاء بأوامر فوقية من حكومة النظام السابق برئاسة المخلوع عمر البشير، وذلك حينما دخلت شركتا “شارف وبترو أرنجي” الصينية في التنقيب عن البترول دون اعتبار لمطالب أهالي المنطقة المتمثلة في ضرورة التخلص من المواد الكيماوية، خشية من أن تُسبب أمراض في المستقبل.

لاحقًا، تظاهر الأهالي أمام إحدى بوابات الحقول، لمطالبة الشركات بالالتزام بالمسؤولية المجتمعية مثل حفر آبار لمياه الشرب وتوصيل الكهرباء وتشييد المدارس، بالإضافة إلى حماية البيئة من التلوث. قابلت الأجهزة الأمنية المظاهرة بقمع مفرط أسفر عن مقتل شاب من المتظاهرين، وواصل الأهالي الاحتجاج السلمي في عهد الحكومة المدنية برئاسة الدكتور عبدالله حمدوك، بقيام اعتصام شهير حول حقل سفيان في العام 2022م.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى