في واحدة من أكثر اللقطات تعبيرًا عن التراث الحي الذي ينبض في تفاصيل حياة قبيلة المسيرية، تجلّت رقصة “المردوم” بمهابتها وجمالها، لترسم مشهدًا لا يشبه إلا ذاته. رأيت شبانًا وشابات من أهلنا يؤدون الرقصة في تمازجٍ دقيق بين الحماس والانضباط، تَفاعل جسدي بطريقة لم أستطع أن أترجمها بالكلمات، وكأن المردوم يحرك شيئًا دفينًا في الروح، شيئًا لا يعرفه سوى من عاش هذا الإرث أو شهد تجليه.
رقصة المردوم: أكثر من مجرد خطوات راقصة
رقصة المردوم ليست مجرد أداء جسدي، بل هي طقس ثقافي عميق، توارثته الأجيال ضمن سلسلة طويلة من الذاكرة الشفهية والجمعية. هي رقصة الحرب، رقصة الفخر، رقصة التماسك والانتماء. تُؤدى بإيقاع الطبول الثقيلة، وترتفع معها الأجساد في حركة جماعية منظمة، حيث تذوب الفردية في الجماعة ويصبح الجميع جسدًا واحدًا يخفق بنبض الأرض والهوية.
في المشهد الذي رأيته، بدا المشاركون وكأنهم يمثلون قبيلتهم أمام العالم بأسره، يحملون عبء تقديم تراثهم بأبهى صورة، وكأنهم في منافسة ثقافية كبرى، يدركون أن أي خلل قد يفقدهم فرصة إظهار موروثهم للعالم. لكن ما حدث كان العكس تمامًا، فقد قدّموا عرضًا يعكس فهمًا عميقًا للمسؤولية الثقافية، أداءً مليئًا بالفخر والاحترافية والإخلاص.
تراث المسيرية: مقاومة النسيان بالذاكرة الحيّة
قبيلة المسيرية، التي تمتد جذورها في غرب السودان، هي من أكثر القبائل حفاظًا على تراثها، بدءًا من اللغة والعادات وانتهاءً بالرقصات التي تحكي قصص الأرض، والمطر، والكرامة. والمردوم تحديدًا يعبر عن لحظة التقاء الماضي بالحاضر، حيث يتحول الجسد إلى وسيلة تواصل بين الأجيال، ويصبح الرقص أداة للمقاومة الثقافية في وجه عولمة قد تُغيب الخصوصيات.
ليست رقصة المردوم عرضًا فولكلوريًا يُقدَّم للفرجة فحسب، بل هي نبض وهوية وتاريخ. هي مرآة عاكسة لروح قبيلة المسيرية، تجسّدها الحركات والإيقاعات والزيّ التقليدي والنظرات المليئة بالعزة. مشهد المردوم ذاك لم يكن مجرد لحظة احتفال، بل كان لحظة اعتراف – اعتراف بقوة الثقافة حين تسكن الجسد وتجعله شاهدًا على عراقة لا تموت.
وأخيرًا ستظل رقصة المردوم صوتًا جهورًا في ساحة الثقافة السودانية والعربية، شاهدة على أن الجمال الحقيقي يولد من الإخلاص للهوية.





